هرم ماسلو وتربية الأطفال:  

 

 

هرم ماسلو أو نظرية التحفيز الإنساني هي نظرية سيكولوجية اقترحها أبراهام ماسلو ، ويرى فيها أن الناس عندما يحققون احتياجاتهم الأساسية يسعون إلى تحقيق احتياجات ذات مستويات أعلى، كما يرتبها هرم ماسلو في الشكل الموجود أعلاه. وهذا المقال من أجل تحوير هذه النظرية وهذا الهرم لتطبيقه على تربية الطفولة . تقول هذه النظرية أن الإنسان يعمل من أجل تحقيق خمس حاجات رئيسية لديه هي :

تحقيق الذات، التقدير، الاحتياجات الاجتماعية، الحاجة للأمن ، والاحتياجات الفسيولوجية.

ويتم إشباع هذه الحاجات على مراحل بحيث يندفع الفرد لإشباع إحداها فإذا فرغ منها وأشبعها انصرف إلى الثانية وهكذا. ومن خلال ممارسة وقراءة طويلة في هذه النظرية حاولنا الإستفادة منها في تربية الطفولة ، لأننا وجدنا أن كثير من الآباء ينشغل في علاج مشاكل الطفل قبل أن يبحث عن حاجاته ليشبعها . لأن هناك نقطة مهمة يجب أن ندركها وهي ان السلوك السيئ أو الغير مرغوب فيه من الشخص البالغ عبارة عن سلوك مبني على عادة ، ولكن سلوك الطفل السيئ أو السلوك الغير مرغوب فيه في الغالب هو نتيجة حاجة . لهذا تم التركيز في مقالنا هذا على مرحلة الطفولة بمراحلها الثلاث ، لأن كثير من الدراسات تشير ان 60 % من شخصية الفرد تتشكل في هذه المرحلة المهمة من العمر . أو كما يقول د. رسمى رستم أستاذ التخطيط التربوى بالمركز القومى للبحوث التربوية والتنمية إن الاضطرابات النفسية التى يتعرض لها الأطفال مصدرها الأساسى الظروف والبيئة المحيطة فالطفل الذى لا يجد البيئة التى تشبع له احتياجاته, ويشعر بأنه غير مرغوب فيه فيصبح سيئ التوافق مضطربا نفسيا. إذا الإنطلاقة من هنا من عند الطفل ومن باب إشباع الحاجات الخمس الأساسية لهرم ماسلو . ومن خلال ما سبق يجب أن ندرك أن المراحل الخمسة هي مراحل تتابعية وليست لها زمن محدد أو عمر معين بل هي تتسلسل وتنتقل بشكل تلقائي في حالة إشباعها .

1. الحاجات الفسيولوجية :

قاعدة هرم الحاجات هي الحاجات الفسيولجية ، و التي تعتبر قاعدة بناء الشخصية . ومن أمثلة هذه الحاجيات ، الحاجة للطعام ، الصحة ، المسكن ، الملبس ، الرياضة ، النوم ، والحاجة لتربية القيم . لهذا من الضروري إشباع قاعدة هذا الهرم حتى يتم الإنتقال التلاقائي للمرحلة الثانية بنجاح عالي . فيجب أن يتم الإهتمام بتغذية الطفل بشكل جيد والحرص على إختيار له الطعام المفيد الذي يساعده على إشباع حاجة الصحة ويكون طفل صحيح ، ودائما يجب أن تكون القاعدة في أي إشباع منشود ، هي لا إفراط ولا تفريط فلا نريد طفل سمين أو طفل يعاني من نحافة شديدة ، وكذلك الصحة يجب أن يسخر المربي وقته وماله في سبيل أن ينعم الطفل بالصحة الجيدة من خلال الإهتمام بالمتابعة الدورية مع الطبيب وكذلك علاجه من بعض الأمراض المزمنة من وقت مبكر من عمره ، ثم يتم إشباع حاجة الملبس للطفل وذلك من خلال جعله شريك في الخيار وفق قواعد يتعلمها مسبقاً ، ويجب أن ينتبه المربي أن اللعب مع الأطفال في هذه المرحلة في مسألة الملبس خطير ويشكل سلوكه المستقبلي ، وذلك من خلال تقليد الطفل الذكر للأنثى أو العكس وذلك من خلال إرتداء أزياء معاكسه لجنسه الأصلي أو حتى من خلال تسريحة الشعر ، لأن هذا قد يجعل من الطفل الذكر في المستقبل رجل أنثوي والعكس ، ويجب تعويد الطفل أن يهتم بنظافة ملابسه ولا يقبل أن يستمر في إرتداء ملابس متسخة وأن يستشعر ذلك جيدأً وأن يتدرب على المحافظة على ملابسة نظيفة لأكثر وقت ممكن . وأما مسالة الرياضة فهي ضرورية لبناء بنية الطفل في هذه المرحلة من حياته ، لهذا يجب على المربي أن يشارك إبنه اللعب وينمي ذكاؤه من خلال الألعاب الجماعية والفردية وكذلك الألعاب داخل المنزل وخارج المنزل حتى يتم مساعدته على بناء جسد وعقل جيد ، واللعب بشكل عام يساعد على التخلص من مشكلات كثيرة قد تظهر في المستقبل ولعل أبرزها المشكلات الإجتماعية . أما النوم يجب أن يعلم كل مربي أهمية منح الطفل عدد ساعات النوم الكافية التي تبدأ من 12 ساعة في مرحلة الطفولة المبكرة حتى تقل إلى 8 ساعات على أقل تقدير ويجب أن تكون معظمها في ساعات الليل وليس النهار، ويجب أن يتدرج الآباء في تدريب الطفل على النوم في غرفته الخاصة وتهيئة جميع الأجواء المساعدة لذلك لأنها تعزز لديه الإستقلالية والإعتماد على الذات وتساعده في التخلص من الخوف الوهمي في هذه المرحلة والتي سببها ضعف الإدراك والتفسير للعالم الخارجي من حوله . وفي نهاية هذه المرحلة يجب أن يكون لدى الطفل معايير سلوكية تساعده على أداء أدواره داخل المحيط الذي يعيش فيه ، فالطفل بدون معايير سلوكية يتخبط يميناً ويساراً لا يعرف الصواب من الخطأ ، لا يعلم لماذا عوقب و لماذا شجع ولماذأ ولماذا !! لأنه يفتقد إلى قواعد يرتكز إليها تساعده على تفسير الأحداث من حوله ، لهذا يجب ان يحرص المربي على بناء سلم قيم للطفل من خلال القصة والتي تعد من أهم الوسائل المفصلية لهذه المرحلة ويتم من خلالها غرس مجموعة قيم يتم ترتيبها وفق سلم تصاعدي ، يبدأ من القيم البسيطة كالصدق والتعاون وينتهي بالقيم العليا كقيمة الحياة وقيمة العدل ، وكل هذه القيم يتم غرسها من خلال إبتكار قصص ومواقف تساعد على بناء قيمة معينة يتم التركيز عليها لفترة طويلة قبل الإنتقال لقيمة أخرى.

2. الحاجة إلى الأمن :

الأمان هو تاج الحاجات فمتى ما شعر الطفل بالأمان تكون نفسيته سويه ومتى ما ذهب الأمان أصيب الطفل باضطرابات نفسية مختلفة . فالأمن والأمان الأسري والوطني من ضروريات النفس السوية للطفل ،
وتعزز هذه الحاجة من خلال الإهتمام بالروح ، أي ربط الطفل بالله عز وجل وجعل الله عز وجل مصدر الأمان للطفل وليس مصدر الترهيب كما يفعل بعض الآباء مع أبنائهم الذين يعرفون عذاب الله قبل رحمته ويعرفون النار قبل الجنة ويخافون غضب الله قبل معرفة أن الله هو الرزاق الرحمن الرحيم ،وعلى نفس السياق يجب ان يستشعر الطفل أنه تحت سلطة ما ، يجب أن يحترمها ويعمل ضمن إطارها وهي التي تحكمه وتراقبه وتساعده على النجاح ، فالطفل بدون سلطة يكون أكثر عناداً وتمرداً ، وهذه السلطة في الغالب مصدرها الدين والقائمين عليها هم الوالدين أو أولياء الأمور ، ويجب أن لا ننسى أهمية الحوار في هذه المرحلة لإستكشاف أي صور رمزية أو مواقف مخيفة عالقة في ذهن الطفل لنساعده على التخلص منها قبل ان تكبر هذه الصورة وتتحول إلى حقيقة لدى الطفل وواقع يومي ، لهذا الدفء والحنان وقرب الأسرة من الطفل مهم جداً لأنهم مصدر الأمان الأول للطفل ، والإشباع العاطفي هو أهم أسلحة هذه المرحلة ، ويمكن توفيره من خلال الحضن اليومي والتقبيل على الرأس والمسح باليد على أعلى الرأس والبعد عن العقاب البدني قدر الإمكان ، وفي نهاية هذه المرحلة يجب أن لا ننسى أهمية مساعدة الطفل على كسر حواجز كل أنواع الخوف المتوقعة مثل الخوف من الأماكن المرتفعة والخوف من الأماكن المظلمة والخوف من المناطق الضيقة والخوف من مواجهة عدد كبير من الناس وغيرها ، وذلك من خلال إخضاع الطفل لكل هذه التجارب ومن وقت مبكر وبشكل مستمر ، وفي نفس الوقت تهيئة بيئة آمنه للطفل من خلال ما يسمع ومايشاهد الطفل من قصص وأفلام وغيرها داخل المنزل وخارجه .

3. الحاجات الاجتماعية :

يحتاج الطفل في هذه المرحلة أن يكوّن له جماعة رفاق ، وذلك لزيادة رغبته في تكوين صداقات و زيادة رغبته في مساعدة الآخرين أو مساعدة الناس له . وقد أوضحت الدراسات أن الجو الأسري الذي لا يستطيع إشباع هذه الحاجة ، يكون شريك في اختلال التوازن النفسي لدى الطفل ، والتي تولد له مشكلات حياتية وإجتماعية كثيرة ، لهذا من المهم جداً أن يكون للطفل أصدقاء سواء من أبناء الحي ، المدرسة ، النادي أو من الأقرباء ، فلا نحرم أطفالنا من هذه الحاجة الضرورية بحجة أن الوقت الأهم يجب أن يقضيه الطفل في المذاكرة ، أو حجة الخوف من رفقاء السوء أو أي حجج أخرى ، بل علينا أن نحرص كل الحرص على أن يكون لأطفالنا أقران يلعبون معهم ، وفق ضوابط أساسية مثل معرفة هذا الرفيق ومعرفة أهله ووضع مواعيد للقاء ومكان اللقاء ، مع الرقابة الغير معلنة. ويجب أن لا ننسى أهمية الترابط الأسري في هذه المرحلة ومدى أهميته على نمو الطفل فالطفل في هذه المرحلة عبارة عن مرآة لما يرى ويسمع ويشعر ، لهذا يجب الحذر ثم الحذر من أن تكون الخلافات الزوجية أمام الطفل ، ويجب الحفاظ على الإستقرار الأسري وعدم ظهور أي تناقض في التربية بين الوالدين ، في النهاية يجب أن يخرج الطفل من هذه المرحلة وهو لديه مهارات إجتماعية من خلال التعليم والممارسة واللعب سواء ذلك بطريقة موجهة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة .

4. الحاجة إلى التقدير :

يحتاج الطفل في المرحلة الرابعة الى كسب احترام الناس من حوله وكذلك كسب تقديرهم . وتزيد رغبنه في الظهور والتميز على أقرانه ولا يعتبر هذا شكل من أشكال الأنانية أو الغيرة أو الغرور كما يظن بعض الآباء بل هو أمر طبيعي وبالتوجيه السليم يمكن أن نشبع له هذه الحاجة دون أن تتحول إلى ما كان يظن الآباء ، لهذا يجب أن يشعر الطفل بأنه مقبول لتتكون له نفسيه سوية ، فالتقبل يبدأ من الأسرة ، فيجب أن يشعر الطفل بأن الوسط المحيط يتقبله كما هو بعيوبه قبل حسناته ، ويشجعون إنجازاته ويساعدونه على بناء ثقته في نفسه وإحترام فكره وخصوصيته وإشعاره أنه أكبر مما يبدو خصوصاً في هذه المرحلة ، ويجب أن يشارك برأيه وكل هذه الأمور تحتاج إلى تدريب حتى يتقن الطفل هذه المهارات ويمارسها وبهذه الممارسة نكون قد ساعدناه على إشباع هذه الحاجة . ويجب البعد عن النقد اللاذع المستمر ، وفي حالة الخطأ يجب نقد سلوك الطفل وليس الطفل لذاته حتى يتعلم الطفل الخطأ ولا يكرره وفي نفس الوقت حتى لا نؤذيه نفسياً بالتوبيخ الذاتي لشخصه ، فعلى سبيل المثال عندما يسقط الطفل كأس العصير على الأثاث المنزلي لا نقول له أنت غبي أو لماذا لم تنتبه يا ..... ، بل نقول له لو أنك أمسكت الكأس بيديك الإثنتين لما وقعت ، عليك أن لا تكررها والآن تعال وتعلم كيف تنظف فعلتك هذه . في النهاية يجب أن يدرك الآباء أن الطفل في هذه المرحلة يحتاج إلى رصيد كبير من بنك الثقة حتى يتم إشباع هذه الحاجة ،والفرق بين الحاجة إلى الأمن والحاجة إلى التقدير في أن الأولى تحتاج رصيد عالي من الإشباع العاطفي بينما الثانية تحتاج رصيد عالي من الثقة سواء بمنح الطفل الأدوات أو الوسائل التي تساعده في بناء ثقته بنفسه وإمكانياته وقدراته او من خلال البعد عن إدخال أطفالنا في أندية عقدة النقص من خلال الرسائل السلبية التي نبثها لهم دون وعي مثل قولنا أنت طفل أسمر البشرة لا يليق عليك اللون الأحمر .

5. الحاجة إلى تحقيق الذات :

رأس هرم هذه النظرية هي حاجة الطفل لتحقيق الذات ، وتحقيق الصورة التي يتخيلها لنفسه. و يتمكن الطفل في هذه المرحلة من مواجهة التحديات دون الخوف من الفشل في تحقيق النجاح ، بشرط أن يشعر الطفل بالنجاح والتفوق والتقدم والتغير ، ويكون ذلك من خلال التعزيز الايجابي لكل سلوك ايجابي يقوم به الطفل ، فيشعر الطفل بالنجاح بعد التعزيز وهذا ما يحتاجه الطفل ، فالطفل لا يشعر بالنجاح بل يشعر بالتشجيع الذي يلي النجاح. ويجب على الآباء تسليح ابنائهم بالمهارات التي تساعدهم على النجاح وتحقيق الذات ومنها مهارات حل المشكلات ومهارات التفكير ومهارات الإبتكار والإبداع . وهذه المهارات وغيرها يتم التدريب عليها من خلال القصص ومن خلال التدريب والتعليم ومن خلال إخضاع الطفل لتطبيق عملي أو ممارسة مباشرة لتعلم أحد هذه المهارات . فعلي سبيل المثال من الخطأ أن نعطي الطفل حل للمشاكل التي يتعرض لها بل يجب مساعدته على الخلص من المشكلة ، فلا نقول له إذهب إلى فلان أو قل كذا ولا تقول كذا أو عليك ان تقوم بهذا ولا تقوم بهذا ، ولكن يمكن أن نقول له ماذا لو عملت كذا ، أو هل لديك فكرة في علاج هذا الموقف ، أو تقول له لو كنت مكانك ماذا سوف تنصحني لحل هذه المشكلة . لهذا يجب على الآباء الحرص على تدريب الطفل على عدد من المعارف والمهارات الحياتية التي تساعده على تحقيق ذاته والإستقلال بذاته وفكره .

في النهاية يجب أن يدرك الآباء أنه وبنهاية هذه المرحلة تكون شخصية الطفل قد تشكلت بشكل كبير ، ونكون بهذا قد أخذنا بجميع الأسباب التي تجعل من شخصية الطفل شخصية سوية خالية من العقد نتيجة نقص في إشباع حاجة من الحاجيات السابقة ، ويجب أن نتذكر أن مجال الإبداع مفتوح لجميع المربين والآباء لإشباع الحاجات السابقة بالطرق المناسبة لهم ولأبنائهم ، وما تم ذكره ماهو إلا من باب الإيضاح وليس الحصر . ونتمنى لأطفالنا حياة سعيدة وشخصية متوازنة ومتميزة .


   
 
E | الرئيسية | السيرة الذاتية | الشهادات | كتب ومقالات | فيديو وصوت | أخبار | ألبوم الصور | تدريب عن بعد | المنتدى | اتصل بنا
 
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع المدرب د. صلاح معمار
تصميم دابليو ديزاينرز لخدمات الانترنت